2011-03-19

بصمات في الذاكرة

في الساعة العاشرة من صباح يوم الجمعة الموافق للثامن عشر من شهر ذي القعدة لعام ثلاثين وأربعمائة وألف للهجرة جاءني اتصال من أحد إخوتي يقول فيه : ( توفي قبل ساعة جدي عبد الرحمن ).
كنت وقتها أنا وأحد إخوتي في المدينة المنورة فبحثنا عن حجز لأي رحلة بالطائرة قريبة لمدينة الرياض حيث سيصلى عليه بعد صلاة العصر من اليوم نفسه ، ولكننا لم نجد ، فصممنا الذهاب برّاً فتأخرنا وكتب الله أن نصلي عليه بعد دفنه.
***
ابتعدت بي الذاكرة وأنا في الطريق وحالَ الصلاة عليه لأتذكّر مواقفَه رحمه الله التي كانت بصمةً في الذاكرة .. لقد كان داعيةً بأخلاقه رُغمَ أنه لا يقرأ ولا يكتب ..
***
كان رحمه الله عظيم الخصال .. ضرّاباً في كل غنيمة بسهم .. فقد كان واصلاً لرحمه ، ومما عقلت عنه في هذا أنه لم يذهب إلى مزرعته – وكانت بمحافظة شقراء ويذهب لها كل أسبوع – إلا زار أخته الكبيرة – وكانت تسكن محافظة شقراء – ، فلما توفاها الله أخذ يزور أبناءها.
***
وكان رحمه الله كثير الصدقة على المحتاجين ، ومن خبره أنه يُرسل لمكة ببعض الصدقات لتوزيعها في الحرم ، وذلك في شهر رمضان المبارك ، ومما عقلت عنه في متجره في سوق الزل بالرياض أنه ما مرّ عليه سائل إلا أعطاه ، وهذا ديدن حتى العمالة إذا لم يكن موجوداً بالمتجر ؛ ما مرّ سائل إلا أعطوه.
***
وكان رحمه الله قوّاماً بالليل ، ومما عقلت عنه وأنا حديثُ عهدٍ بسنّ التمييز أني قد رأيته مرّة يُصلي قبل الفجر بساعة فاستنكرت ذلك وقلت في نفسي وفي حدود ما أعرفه ذلك الوقت : ( ليس هذا وقت صلاة ! فماذا يصلي ؟ ) ، ومما عرفته عنه رحمه الله أنه قد ذهب للعمل في أرامكو وهو صغير ، ثم ترك العمل وعادَ لأنه عُيّن في عملٍ بالليلِ ورأى أن ذلك سيُفقده قيامَ الليل وصلاةَ الفجر في المسجد.
ومن عجيب أمره أنه رحمه الله كان يصلي حتى بعد تناول السحور في العشر الأواخر من شهر رمضان المبارك.
***
وكان رحمه الله ذاكراً لربه ، حافظاً للسانه من كل ما يُغضب الله ، ومما عُقِل عنه إذا غضب واعترته حدّة أن يقول : ( سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم ).
***
وكان رحمه الله يحث أبناءه على التبكير للصلاة ويُحفزّهم لذلك ، وكان رحمه الله أيضاً حريصاً على غرس حب فعل الخير للناس في نفوس أبنائه وأحفاده ، فمن كلماته المعهودة لهم في ذلك : ( اليد العليا خير من اليد السفلى ) وهو نص حديث نبوي رواه البخاري ومسلم.
بل كان يحث أبناءه على ترك الغيبة وسلامة الصدر ويقول : ( ما أذكر أنني نمت وفي صدري على أحد شيء ) ، ويشهد فعلُه لقولِه فلم يُرَ إلا محسناً لمن أساءَ له.
***
وكان رحمه الله يسير بالصلح بين أقاربه ومن يعرف .. داخل مدينة الرياض وخارجها !!
***
وكان رحمه الله معتنياً بتوجيه أبنائه وأحفاده بألطف عبارة وأرقّ إشارة .. فمن مواقفه أن أحد أحفاده في يوم من الأيام كان قد مدّ له فنجان القهوة ، فنظر إلى أظافره فإذا هي طويلة ، فلم ينهره ولم يزجره ، بل اكتفى بابتسامة عريضة ، ومسِّ أظافر يده اليمنى الأربعة بباطن إبهامه ، إشــارةً إليه أن قلِّم أظافرَك .
***
وكان رحمه الله مع لين جانبه ودماثة أخلاقه صــموتاً في المجالس ، حافظاً لسانه عن اللغو ، فلا يتحدث إلا إذا سئل أو ما كان يدعو للحديث ، حتى يُخيّل لكثيرين أن ذلك انقباض منه عن الناس .. وكان حاله بِصَمته يُذكرني قصيدة علي بن عبد العزيز الجرجاني رحمه الله ( المتوفى سنة 392 هـ ) التي يقول في مطلعها :
يقولون لي فيك انقـــــــباضٌ وإنما
رأوا رجلاً عن موضعِ الذلِّ أحجما
***
كان رحمه الله يُرافق عمَّه الشيخ القاضي محمد بن سليمان البصيري المدرس بالمسجد النبوي رحمه الله ( المتوفى 1394 هـ ) في أداء بعض مَهمَّات عمله ، وربما أكسبه ذلك شيئاً من هَدي العلماء.
***
كنت أنظر إليه وأتساءل في نفسي من أين له ما هو فيه وهو لم يقرأ ولم يكتب ؟ أدركت تماماً أن صلاح أبيه له دورٌ ، فصلاح الآباء يُدرك الأبناء بعد توفيق الله تعالى.
وقد أثنى عليه رحمه الله خلقٌ كثيرٌ ؛ منهم الشيخ الدكتور عبد العزيز بن محمد بن عبد الله السدحان حفظه الله – وكان يزوره كل أسبوع صلةً لأهل ودّ أبيه رحمه الله – ، ومما قاله عنه : ( رجلُ توحيدٍ .. كنت أمرّ عليه كلَّ أسبوعٍ ولم أرَ مثلَ خُلقِه وسَمتِه).
***
هذا هو جدي عبد الرحمن بن عثمان بن سليمان البصيري رحمه الله ، الذي ولد بمحافظة شقراء في غرّة شهر رجب من عام واحد وخمسين وثلاثمائة وألف للهجرة ، وقد عاش مع والديه وإخوانه في بيت دين وصلاح إلى أن توفّي والده وهو في السابعة من عمره ، فأكمل حياته مع والدته وإخوانه .. إلى أن توفيت والدته التي كان بارّاً بها رحمها الله ، ثم لَحِق بها بعض إخوانه ، وقد ألمّ به مرضٌ قبل وفاته بأكثر من عشرين سنة ؛ تأزّم عليه قبل وفاته بشـــهرين ، وكان يُردد قائلاً : ( اللهم تولني في الدنيا والآخــرة ) وقائلاً : ( الحمد لله على كل حال ) لاسيّما إذا سأله الأطباء عن حاله فكان لا يُجيبهم إلا بذلك ، وفي الثامن عشر من شهر ذي القعدة لعام ثلاثين وأربعمائة وألف للهجرة يصحو من غيبوبته لينطق الشهادةَ وتغادرَ روحُه لبارئِها ، رحمه الله.
***
مواقفُه رحمه الله .. تعاملُه وحديثُه ومشيتُه وسمتُه ؛ أمورٌ تنبئك عن أخلاقه العالية وشمائله النبيلة .. أحبّه من يعرفه ، ولذا ازدحمت المقبرة بمشيّعيه كما أخبرني غير واحد ممن حضروا تشييعه ، حتى خرج كبار السنّ المقعدون على كراسيهم ، بل والأطباء المتابعون لحالته في المستشفى ، الذين أثنوا على ما شاهدوه منه في المستشفى من لهج لسانه بذكر ربه والألم قد بلغ به مبلغاً عظيماً.
وكان من المشاهدات عند تشييعه إجهاشُ سائقيه بالبكاء.
***
أكتب هذه السطور عنه رحمه الله مما عقلته عنه ومما عرفته من أبنائه كعمي عبد الله لتكون نبراساً لي ولأبنائه وأحفاده ، وإلا فأعلام الإسلام الذين أبلوا بلاءً حسناً في طاعة الله كثير ، لكن أول من يتأثّر بالمرء أبناؤه ، ولذا أقـول : ( هذا والدنا فلنكن خير خلف لخير سلف ) ، نسأل الله حسن الخاتمة.

0 التعليقات:

إرسال تعليق